استحواذ المشي على التنقلات يسائل التخطيط الحضري بالمدن المغربية

تشير أرقام المندوبية السامية للتخطيط إلى أن 64 في المائة من المغاربة يسكنون في المدن، ويرتقب أن ترتفع النسبة إلى 73 في المائة في أفق 2050؛ وهو ما يتطلب تخطيطاً حضرياً يأخذ بعين الاعتبار توفير خدمات نقل حضري تواكب هذه التطورات.

وبحسب تقرير اللجنة الخاصة للنموذج التنموي فإن النقل الحضري العمومي في المغرب يعاني من اختلالات عدة تجعله لا يقوم بدوره كما يجب، بحيث تعتبر وسائل النقل العمومية ذات جودة رديئة وغير منتظمة وتشكل مخاطر على سلامة المستخدمين.

ونتيجة لهذا الوضع، يُساهم النقل العمومي الحضري بنسبة ضعيفة في التنقل وسط المدن أمام هيمنة استعمال السيارات الخاصة التي تشهد نمواً قوياً، ناهيك عن استخدام بدائل أخرى تتمثل في وسائل النقل الجماعي التي تكون في بعض الأحيان غير رسمية.

وبالإضافة إلى سوء الخدمات فإن أسباب الوضع المزري الذي يعيشه النقل العمومي الحضري ترجع إلى الزحف العمراني الناتج عن ارتفاع أسعار العقارات في مراكز المدن، واضطرار المواطنين للسكن ضواحي المدن واستخدام السيارات الشخصية للتنقل.

وحول هذا الموضوع، نظم معهد صندوق الإيداع والتدبير والمديرية العامة للجماعات الترابية، اليوم الإثنين، ندوة عن بعد حول موضوع مستقل التنقل الحضري بالمغرب، بمشاركة خبراء وفاعلين من القطاعين العام والخاص، ناقشوا فيها أهمية تحسين منظومة التنقل الحضري لتصبح أكثر شمولاً واستدامة وكفاءة.

في هذا الصدد، قال نبيل بلعابد، المدير العام لشركة التنمية المحلية “الدار البيضاء للنقل”، إن التخطيط الحضري في المدن يجب أن يستهدف تقديم خدمات نقل عمومية في المستوى لفائدة الجميع، سواء راجلين أو مستعملين للنقل العمومي وأصحاب السيارات.

وأشار بلعابد، ضمن الندوة، إلى أن دراسة تم إجراؤها سنة 2018 من أجل تحيين مخطط التنقل الحضري بالدار البيضاء كشفت أن 62 في المائة من عمليات التنقل الحضري في المدينة تتم عبر المشي من أصل 7.8 ملايين تنقل حضري يومي.

وذكر بلعابد أن هذه الأرقام تهم مسارات التنقل التي تقل عن 1 كيلومتر، وهو ما يعني أن من يستعملون المشي يومياً للتنقل أكبر بكثير من نسبة 62 في المائة، وهو مؤشر على أن المواطنين لا يجدون عرض نقل عمومي في المستوى.

وبحسب المعطيات التي قدمها بلعابد فإن النقل العمومي يستقطب 13 في المائة من المتنقلين في الدار البيضاء يومياً، بعدما كانت النسبة سنة 2007 حوالي 19 في المائة، وهو ما يستدعي أخذه بعين الاعتبار لتحسين منظومة النقل العمومي ليكون في مستوى تطلعات الساكنة.

وذكر المسؤول ذاته أن الاتفاقية الموقعة أمام الملك محمد السادس سنة 2014 لتحسين منظومة التنقل في الدار البيضاء مكنت من تعبئة 16 مليار درهم من أصل 33 مليار درهم من أجل تحديث وسائل النقل الجماعي من الترام والحافلات.

كما أورد المتحدث ذاته أن شبكة الحافلات التي تدبرها الشركة توفر 1800 محطة، والهدف هو أن يكون لكل شخص أقل من 100 متر من أجل الوصول إلى محطة لركوب الحافلات كما هو متوفر في أوروبا.

من جهته، قال منير الحومة، مدير قطب البنيات بشركة نوفيك التابعة لمجموعة صندوق الإيداع والتدبير، إن “التخطيط الحضري يؤثر على جودة وفعالية أنظمة النقل واستعمالها”، وأشار إلى أن “المدن المخططة بشكل جيد يكون فيها نقل جيد والعكس صحيح”.

وأضاف الحومة، ضمن مداخلة في الندوة، أن “التحدي الكبير هو التخطيط الحضري لمدن مستدامة بالاعتماد على نماذج تقوم على تعزيز النقل العمومي، وهو ما يتطلب تنسيقاً بين مختلف الفاعلين على مستوى المدينة بهدف تشجيع استعمال النقل الجماعي عوض النقل الفردي”.

وذكر المسؤول ذاته أن مقاربة تشجيع النقل العمومي الجماعي عوض النقل الفردي بسيارات خاصة مقاربة أميركية معتمدة في عدد من المدن الأوروبية، يمكن أن تكون حلاً في المدن الكبرى في المغرب، وهو ما يتطلب ملاءمة بين المخططات الحضرية ومخططات التنقل الحضري.

كوثر بنعبد الله، مستشارة تقنية في التنقل والمناخ في الوكالة الألمانية للتعاون الدولي بالمغرب، قالت إن المعطيات تشير إلى أن المغرب يوفر حافلة نقل واحدة لخمسة آلاف من الساكنة، في حين يصل المعدل في الدول المتوسطة الدخل إلى حافلة لـ2000 مواطن.

وأشارت بنعبد الله إلى أن النقل الحضري العمومي يساهم بشكل ضعيف في التنقل، حيث تناهز نسبته في الرباط 14 في المائة، و13 في الدار البيضاء و4 في مراكش، ما يعني أن استعمال الحافلات ضعيف مقارنة بوسائل النقل الأخرى.

وأشارت المتخصصة ذاتها إلى أن المواطنين الذين يختارون المشي وسيلة للتنقل يواجهون صعوبة في التنقل عبر أرصفة الشوارع، خصوصاً بالنسبة للمسنين والأطفال والنساء المرفوقين بأطفال، كما أكدت أن غياب الأمن في الفضاءات العمومية يدفع الأشخاص إلى شراء سيارات شخصية للتنقل.

وفي نظر الخبيرة ذاتها فإن المدن مهما كان حجمها يجب أن تتوفر على تدبير جيد للتنقل وأنشطة الترفيه والتموين بالمواد الغذائية، إضافة إلى الربط بين المدن وخارجها، والعمل على خفض التلوث وعدم تشجيع استعمال السيارات الشخصية وتخفيض الاعتماد على الطاقة الأحفورية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار