معتقلان سابقان بتازمامارت يرحلان .. صدقي وبوحيدة إلى دار البقاء

في أقل من شهر، رحل معتقلان سابقان بسجن تزمامارت سيئ الذكر، الذي كان مقبرة للعسكريين الأحياء المشاركين في محاولتَي الانقلاب على الملك الراحل الحسن الثاني.

ورحل عبد الرحمان صدقي، الذي قضى أزيد من 17 سنة في معتقل تازمامارت السري، بعدما حكم عليه بثلاث سنوات حبسا، بعد أقل من ثلاثة أسابيع من رحيل جاره في السجن نفسه أحمد بوحيدة.

وغادر الراحلان دنيا الناس وفي نفسيهما شيء من تقاعد غائب، كانا قد وعدا به مطلع الألفية الثالثة، قبل أن يتبخر، في وقت حصل عليه المعتقلون، بخلفية سياسية، من المدنيين.

صدقي، الذي وجدت زوجته جثته صباح السبت 15 يناير الجاري، كان معروفا خلال فترة اعتقاله بكرمه، ومشاركته المستمرة لما “يملكه” بتازمامارت مع المرضى المعتقلين، وفق النزيلين السابقين عبد الله أعكاو وأحمد المرزوقي.

وقال أعكاو، في حديث مع ، إن ما جمعه بالراحل “علاقة أخوية؛ فقد عشنا مع بعضنا أكثر مما عشناه مع والدينا، ولو أننا عشنا وحدَنا في زنزانة مظلمة”.

وتابع قائلا: “من خلال معيشتنا، وجدنا صدقي رجلا طيبا، وكريما كثيرا، لدرجة أنه لم يكن لدَيه شيء، ومن ذلك اللاشيء ينزع من نفسه ويعطي المريض، ويقدم ما يستطيع المساهمة به”.

وتذكر أعكاو معاناة صدقي وبوحيدة، الذي توفي منذ 15 يوما، علما أن هذا الأخير لم يكن يعرف شيئا عن الانقلاب، بل كان قادما منذ شهور قليلة من أمريكا للتدريب.

من جهته، قال أحمد المرزوقي إن موت صدقي كان “مباغتا وغريبا”، حيث ظل يشتغل، إلى آخر يوم، في الميدان الصحافي مدققا لغويا، قبل أن يوصل زوجته إلى دار أنسبائه، على أساس أن يعود في الغد ليقلها إلى بيتهما، وهو ما لم يكن؛ إذ “على غير عادته لم يتصل، ولم يجب عن مكالماتها، وبعد اتصال مع أحد الجيران قال إن الراحل لم يخرج من بيته، فاستقلت الزوجة سيارة أجرة كبيرة وعادت إلى المنزل لتجده ميتا في فراشه”.

وتابع كاتب “الزنزانة رقم 10” قائلا: “كان الفقيد من فوجي، وهو رياضي ذو بنية جسمانية قوية، جاء إلى الأكاديمية العسكرية جديا (معقولا)”.

وواصل المرزوقي متحدثا عن “ضربة قدر” غيبت صدقي في مقبرة تازمامارت للأحياء لما يقرب عقدين: “في اليوم الموعود، كانت ضربة قدر؛ ففي ليلة الانقلاب لم يكن سيقدم، بل سيبقى في المدرسة، وكان ضابط آخر هو من سيذهب، لكن أُخبِرَ هذا الأخير بأن أمه في حالة خطيرة فذهب دون طلب رخصة، لكن في طريقه إلى منزل والديه وقع عطب في السيارة، فاتصل بالإدارة ليخبرها بتنقله، فدخل بعد ذلك المدير إلى نادي الضباط سائلا عمن يعوض الضابط الغائب، فتطوع صدقي”.

هكذا، يضيف المرزوقي، “حكم عليه بثلاث سنوات حبسا، وفي حين أطلق سراح الفوجين المحكوم عليهما بسنة وسنتين، انتظر صدقي إطلاق سراحه في سنة اعتقاله الثالثة، لكن الباقين، جميعهم، ألحقوا بالطيارين… وتوحدت المحكومية”.

هنا يستعيد المرزوقي ذكرى تازمامارت: “لقد قاسى كما قاسى الإخوان كلُّهم”، قبل أن يزيد “لقد تميز الفقيد بروح المشاركة، وكان يحاول جهد المستطاع مساعدة أصدقائه. عندما خرج لأول مرة في التاريخ أحدنا إلى زنزانة آخر، كان عبد ربه (المرزوقي) صاحب هذا الخروج، حيث انتقلت إلى زنزانة المرحوم لغالو بَعد محاولات كثيرة مع الحراس، لأن المرحوم كان مشلولا، وقضيت معه شهرا أحاول التخفيف من محنته، لكن كنتُ بدوري في حالة مزرية، وعوّضني في هذا عبد الرحمان.”

ثم أضاف “كان دائما من المتطوعين. ثم خرجنا جميعا، وبعد عشرين يوما من الإفراج علينا، وأنا في قريتي بنواحي غفساي، بالكاد أتعلم المشي والحديث، رأيت سيارة تقف أمام باب المنزل، ويخرج منها عبد الرحمان وأخته وزوجها، وقال بدون سابق إنذار إنه جاء ليؤكد لي أمام العائلة والله أنه بفضل الله وبفضلك أخي الذي وقف معي… ما كنت أقوم به كان عاديا، ولم أظن أنه أثر فيه إلى درجة أن صحته كانت لا تزال متدهورة، وخاض عناء المجيء، قاطعا ما يزيد عن أربعمائة كيلومتر”.

ورغم الانعزال والانطواء في آخر حياته، يقول المرزوقي، فإن الراحل كان يحضر في الزيارات إلى معتقل تازمامارت.

وجوابا عن سؤال حول الوضع الاجتماعي للفقيدين، صدقي وبوحيدة، استنكر المرزوقي استمرار غياب صرف تقاعدهما، رغم الوعود التي قطعت من قبل، قبل أن يتساءل: “كيف يعقل أن يتوفى معتقل عاش قساوة العيش التي لم يعشها أحد من المعتقلين الآخرين… ونحن محسوبون على الجيش، وضعونا في قبور ولم يعطونا ما نعيش به. كيف يعقل أن يتوفى بوحيدة وهو يصلح “الكوكوطات” للناس!؟”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار