كتاب يرصد رهانات “بيت ياسين” الثقافي

دراسة للجودة في التلفزيون العربي من خلال نموذج برنامج الإعلامي المغربي ياسين عدنان، تحضر في كتاب جديد بعنوان “بيت ياسين.. رهان الجودة في التلفزيون العربي”.

هذه الدراسة الصادرة عن دار العين للنشر، أعدها الباحث محمد طروس، وهي “تمرين ذاتي” للباحث يسائل رهان الجودة في التلفزيون العربي، من خلال برنامج “بيت ياسين” الثقافي.

هذا التمرين انطلق من انجذاب ذاتي للباحث وانتباه لتماهي المشاهد مع شخصيات برنامج “بيت ياسين” وفضاءاته، مما ولد لديه سؤال: “كيف أمكن لهذا العمل أن يتواصل بهذه الكيفية؟”؛ فبدأت مرحلة تفكيك تشكل البرنامج وتفاعلاته وامتدادته الخطابية وقدراته على التفاعل والتأثير، ثم إعادة بناء الاستنتاج.

وقرأ الكتاب برنامج “بيت ياسين” كلغة وحكاية وكخطاب، وينظر إليه من زاوية تحلل مختلف مكوناته، وتعيد تركيبها، للوقوف عند أبعاده الخطابية، واختياراته الجمالية ومواقفه الفكرية ووظائفه الاجتماعية والثقافية.

ونظر المؤلف إلى البرنامج من زاوية “الجودة” بوصفها “قيمة ومعايير وأهدافا”؛ من أجل “تثمين الأعمال الجادة والجيدة، والدفع بالإبداع والثقافة التلفزيونيين إلى الوعي بأدواتها وآلياتها، وتحريك الدراسات الراكدة العاجزة عن مواكبة أشكال فنية وتعبيرية جديدة ما فتئت تنمو وتينع، وتتحدى الأدوات والمناهج التقليدية”.

وسجل الكتاب أن برنامج “بيت ياسين” يهتم بالإنسان، بالشخص في حد ذاته، إذ لا تهم إبداعاته أو إنتاجه الثقافي والفكري، ظاهريا، إلا من قبيل الاستئناس أو التذكير، أما الأساس فهو “السمر في جلسة مفتوحة وسفرة طعام، وتفاعل وتبادل بين أصدقاء”.

لكن هذا السمر “ليس بريئا”، وياسين عدنان، وفق معد الكتاب، “يبدو واعيا بدوره ووظيفته”؛ فهو “يرى أن برنامجه يهدف إلى مقاومة “اللاثقافة” المستفحلة في كل مناحي الحياة”. هذه اللاثقافة هي “كل ما يخاصم العقل ويحتقر الوجدان ويسلع الإنسان”؛ وهو ما ينبغي مواجهته، بالنسبة للباحث، عن طريق “إعادة الاعتبار للشك والتفكير والتأمل، لقلق السؤال، وفكر الاختلاف والاعتراف بالآخر”.

إذن، يقصد هذا البرنامج “المساهمة في المعركة الثقافية العربية ضد الجهل والتخلف، أي أنه يحمل رسالة تنمية وتوعية أكبر وأشمل، ليساهم بدوره في بناء مجتمعات متزنة، منفتحة، بل وحالمة أيضا بالمعنى الخلاق لهذه الكلمة”؛ فدور الإعلامي بالنسبة لياسين عدنان “أساسي، سواء في صناعة النهضة أو في تكريس الانحطاط”.

من هنا تفهم جلسة السمر الحميمية التي يقترحها البرنامج بوصفها “تقربا من المشاهد العام وإغواء له”؛ لأن “كل شيء في التلفزيون ينبغي أن يكون فرجويا، سواء أكان ثقافيا أو علميا أو سياسيا أو رياضيا، وإلا سيكون مملا جامدا، بعيدا عن المتلقي التلفزيوني”.

ومثل شروط الفرجة في مباريات كرة القدم، لا يصح، حسب الباحث، الزعم بـ”أننا إزاء مادة تلفزيونية أو أمام حكاية متلفزة” حين “ينتفي التقطيع، وحركة الكاميرا وتعدد زوايا النظر”، نظرا لانتفاء “أدنى مقومات الفرجة وجمالية الحكي”؛ فـ”التلفزيون ليس وعاء أو غرفة للتسجيل؛ بل إنه لغة ذات تحققات متنوعة، تتدرج من المستوى الفيلمي، من تأطير وتقطيع والتحام مقطعي وعلاقات قولية، إلى المستوى الحكائي من فضاءات وشخصيات وأحداث ومتن حكائي، لتنتهي إلى المستوى الخطابي، حيث القضية والموقف والإستراتيجيات الحجاجية والإقناعية والتفاعل بين قائلي الخطاب والمتلقين”.

وذكر الباحث محمد طروس بأن قناة الغد الباثة للبرنامج تعبر عن رسالتها بوضوح، وهي: معالجة قضايا التطرف الديني، ونشر الفكر التنويري، وتعزيز ثقافة الحوار والتسامح، وإحداث التغيير المنشود على المستويات الاجتماعية والثقافية والفكرية.

وخلصت الدراسة، بعد تحليل للتوجه التحريري للقناة إلى أن “رهانها على الثقافة (يظهر) بالرغم من كونها قناة إخبارية بالأساس”. كما تثني على إسهام “المخرج هشام عبد الرسول كمؤلف – من جهته وبأدواته – في بناء عالم البرنامج مقطعيا وحكائيا بناء جماليا جديدا يعتمد أساسا على الحكي، ويحصر المتلقي، بصريا، خارج دائرة الحكاية. اعتمادا على تقطيع صارم، وتأطير محكم، يتسع ليشمل الفضاء في كليته، ويضيق ليركز على تفاصيل الشخصيات، والتحام مقطعي سلس وسريع”.

وأوردت الدراسة أن قضية (بيت ياسين) “جمالية وفكرية” تهدف في الآن نفسه إلى “تطوير الكتابة التلفزيونية كبعد جمالي، والدفاع عن الإنسان العربي وقضاياه المصيرية فكرا وإبداعا وثقافة”.

وفي فحصه لأطروحة البرنامج، سجل الباحث “انتصارها للهوية العربية في انفتاحها ومناصرتها الهوية في تعددها، وفي عمقها الديمقراطي على امتداد الوطن العربي”؛ وهو ما يتجلى في حضور مثقفين ومبدعين من كل أرجاء الوطن العربي، مع التركيز، أيضا، على الهوية العربية الإسلامية كهوية أساس تحتضن الهويات والمكونات المجاورة والمتساكنة داخل الفضاء العربي (الأندلسية الموريسكية، الأمازيغية، الطوارقية، الكردية، الحسانية، الأشورية، السريانية).

ولا ينغلق البرنامج على اللغة العربية، حسب المصدر نفسه، بل ينفتح على أدباء عرب تألقوا عبر لغات كتابة أخرى؛ مثل الأديبة المصرية التي تكتب بالإنجليزية أهداف سويف، والشاعر المغربي باللغة الفرنسية عبد اللطيف اللعبي.

وعلى المستوى الديني، يجد الباحث في البرنامج “نفس الموقف الداعي إلى الوحدة ونبذ التفرقة والتنافر القائمين على الصراعات الدينية أو المذهبية”؛ فيطرح البرنامج “القضية الطائفية في أفق وحدوي”.

أما بناء البرنامج، فلاحظ طروس أنه “مخالف للمألوف في البرامج الحوارية، حيث تعم (عادة) المباشرة في عرض القضايا، وبسط المواقف، وبناء الديكور، وحركات الكاميرا، وثبات التأطير، ورتابة التوضيب”؛ في حين “اختار مؤلفو “بيت ياسين” نوعا جديدا من الكتابة للتلفزيون، نوعا يعتمد التعبير اللامباشر، ويحيل الواقع تخييليا، والعالم المرئي حكائيا”.

وقسم الكتاب إستراتيجيات الكتابة في “بيت ياسين” إلى ثلاث؛ أولاها إستراتيجية مقطعية مهمتها تحقيق التواصل مع المتلقي، وتمتيعه بوضعية مريحة تمكنه من المتابعة المسترسلة، وتقدم مادة حكائية فرجوية. أما ثانية الاستراتيجيات فـ”حكائية”؛ “حولت الضيوف إلى شخصيات حكائية، ومزجت بين الفضاءات التخييلية والفضاءات الواقعية، ومكنت المتلقي من التنقل والسفر عبر الأزمنة”، من أجل “التتبع والاستمتاع والاكتشاف”. ويذكر المؤلف أن ثالثة الإستراتيجيات “إستراتيجية ذهنية” تشتغل على “السجل العاطفي والانفعالي، من أجل تعزيز المواقف والاختيارات المرتبطة بالقضايا الفكرية والقضايا الجمالية”، وتوظف في ذلك “مجموعة من العمليات الجزئية المجسدة في ثنائية الهدم والبناء، والتحبيب والتنفير. فحين ينجذب المتلقي إلى الكتابة الجديدة ينفر من الكتابة القديمة؛ وحين يتبنى قضايا إنسانية، يرفض القضايا اللاإنسانية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار